منتدى الطلاب و الطالبات الجامعيين من فاس الى مراكش
المنتدى يحتاج الى مراقبين و مشرفين

شارك في المنتدى الفرعي الذي تود أن تكون المشرف فيه . و شكرا
منتدى الطلاب و الطالبات الجامعيين من فاس الى مراكش

Universités marocaines, cours, examens, informations, nouvelles, droit, économie, lettres, philosophie, sociologie, étudiants de marrakech, faculté de droit français et l'économie, sciences humains

نطلب من كل طالب يتوفر على الجديد أن ينشره على الموقع و شكرا ليكن علم جميع طلبة الفصل الخامس علم الاجتماع فاس سايس أن الامتحانات ستنطلق من يوم الاثنين 09/01/2012 و حظ سعيد للجميع بالتوفي و النجاح
نطلب من طلبة كلية العلوم الانسانية فاس سايس و خصوصا طلبة علم الاجتماع اخبارنا بكل جديد يخص الامتحانات و الدروس . و ندعوهم للمشاركة المكثفة في الموقع

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

آليات التفكير الفلسفي: التساؤل الفلسفي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

آليات التفكير الفلسفي: التساؤل الفلسفي

كتبهامحمد أندلسي ، في 13 أغسطس 2007 الساعة: 05:31 ص



1- وضعية مبحث الاستشكال أو السؤال في الفلسفة:
لقد بدأ هذا المبحث يفرض ذاته داخل الفلسفة منذ القرن التاسع عشر، وبالضبط في أعمال كل من ماركس وفرويد ونيتشه. لقد ساهم هؤلاء في تأزيم البراديغم القضوي داخل الفلسفة، حيث نقلوا الاهتمام إلى اللغة والخطاب. لقد أظهر هؤلاء المفكرين بأن الخطاب ناتج عن اللاشعور وخاضع للرغبة والمصلحة. فلم تعد الذات هي مركز التفكير ومصدره ومعياره، لقد تم إزاحتها عن المركز، مما حرر الفكر وجعله يهتم بما كان مستبعدا ومقصيا إلى الهامش. ويمكن القول بأن تفكيك "مبدأ الذاتية"، أو "ميتافيزيقا الذاتية والحضور" كما يسميها هايدغر، عمل على تفجير التصورات والمفاهيم السائدة في الفكر وداخل الثقافة، وفتح الباب على مصراعيه أمام الاستفهام والتساؤل، ليس بما هو إجراء أداتي، أو تقنية من تقنيات أخرى، بل باعتباره آلية استراتيجية في الفكر بصفة عامة، وفي الفلسفة بصفة خاصة.
وفي الحقيقة فإن النموذج الاستفهامي أو التساؤلي، ظل طوال قرون موضع كبت واستبعاد خلال تاريخ الفلسفة، وخاصة منذ نشأتها مع أفلاطون وتبلورها مع أرسطو. ولقد كان لتهميش آلية التساؤل والاستشكال داخل الفلسفة نتائج سلبية من أهمّها: هيمنة النموذج القضوي Le modèle propositionnel أو النموذج العقلاني. وهو النموذج الذي أخذ يتبلور بشكل تدريجي مع أفلاطون ليأخذ صورته الناضجة والمكتملة مع أرسطو. لقد ظل هذا النموذج يستلهم المثال العلمي المتجسّد أساسا في النموذج الرياضي البرهاني[1]. يعمل هذا النموذج على تحويل الحلول والأجوبة الفلسفية التي تقدّم لإشكاليات الفلسفة، إلى قضايا مترابطة فيما بينها بروابط منطقية وبرهانية تشكّل تبريرا استدلاليا لمصداقية النتائج المعرفية المترتبة عنها. فينتهي هذا إلى بناء المفاهيم والتصورات في أنساق معرفية متلاحمة، يفترض في نتائجها أن تكون مستنبطة بطريقة برهانية، بحيث لا تنطوي على أي تناقض مع الأوليات أو المقدمات التي انطلقت منها. هكذا يتم تأسيس صحة المعارف بناء على مدى مطابقتها مع المنطق، أي مع مبادئ العقل، التي يفترض ضمنا أنها متطابقة بدورها مع قوانين الوجود.

لقد شكّل هذا النموذج القضوي عائقا أمام تطور الفكر الفلسفي، لأنه منعه من التفكير في ذاته انطلاقا من معايير مغايرة لمعايير النموذج العلمي. فحكم على الفلسفة أن تظل خاضعة لوصاية العلم، وأن تغترب عن ذاتها وخصوصيتها. فهناك فرادة وخصوصية تميّز الفلسفة عن المعرفة العلمية تقتضي، بل تحتّم ضرورة الفصل بينهما. فعلى سبيل المثال، نجد بأن الجواب في الفلسفة مرتبط أشدّ الارتباط بطبيعة الإشكال، وبالكيفية التي يتم بها صياغة السؤال. فلا وجود داخل الفلسفة لأجوبة منفصلة عن الكيفية التي يطرح بها كإشكال، فهذا الأخير هو الذي يحدّد أبعاد الجواب، والأفق الذي سيتبلور فيه.
إن هذا الفصل الاعتباطي بين السؤال في الفلسفة والجواب، جعل الفلسفة تدخل في تنافس انتحاري مع العلم، لأنها عجزت عن تحقيق تقدّم في إيجاد الحلول والأجوبة لأسئلتها-على غرار التقدّم الذي أحرزته المعرفة العلمية ونجح العلم في تحقيقه[2].
إن أوّل من سينتبه إلى هذه المسألة، ويطالب بتحرير الفلسفة من هيمنة النموذج العلمي هو الفيلسوف الألماني "إمانويل كانط"، وذلك في كتابه"نقد العقل الخالص". لكن هذه المسألة لن تصل إلى مرحلة الوعي بالذات، وتتحوّل إلى ثورة جذرية في الفلسفة، إلا في أعمال كل من ماركس، وفرويد، وبصفة خاصة نيتشه[3].
إن ما يميّز الفلسفة عن العلم، إنما هو تعدّد الأجوبة والحلول التي تقدّمها لإشكالياتها وتساؤلاتها. بحيث لا يمكن للأجوبة أن تستنفد الأسئلة، وأن تؤدي إلى إنهاء عملية التفكير. وهذا ما يفسّر التكرار الذي يمكن أن يلاحظ على القضايا التي ظلت الفلسفة تعالجها طوال تاريخ الفلسفة، إذ الزمان الذي تخضع له المسائل الفلسفية هو زمان العود الأبدي للمثل الذي تتحدّث عنه الجينيالوجيا، وليس هو زمان التقدم الخطي التدريجي الذي تتحدّث عنه الميتافيزيقا. إن كل جواب في الفلسفة يأتي لكي يلغي ذاته فاسحا مكانه لأجوبة أخرى. إن هذا راجع إلى كون أن الجواب في الفلسفة ليس حقيقة، وإنما هو استفهام وإشكال جديد. فالإشكالية الفلسفية تحمل في ثناياها اختلافها الضمني، إذ هي تقدّم مؤشّرات لما يمكن أن يكون جوابا على السؤال الذي تطرحه. فالحلول أو الأجوبة التي تقدّمها الأنساق والمحاولات الفلسفية للإشكاليات التي تعالجها، تتحدّد بالكيفية التي تتم بها صياغتها داخل تلك الأنساق والمحاولات[4]. وهذا ما يجعل الجواب في الفلسفة يتسم بطابع "سلبي"، لأنه على عكس الجواب العلمي، لا يعرف تقدّما ولا تراكما في المعرفة، لسبب بسيط هو أن الأجوبة الفلسفية أو القضايا التي تعالجها الفلسفة، غير قابلة أن تصاغ في قضايا نهائية، أي في خطابات تقول الحقيقة.
إن خاصية الجواب الفلسفي بما هو إشكالي، تتمثّل في كونه "يشقّ اللامفكر فيه داخل الفكر"elle fracture l’impensé à la pensée. فالجواب الفلسفي لا ينفي الإشكال ويوقف عملية التساؤل، بل هو يضيء أبعاد أخرى في الإشكال، فيصبح أساس لسؤال آخر، وهكذا دواليك.
إن الانفصال عن النموذج القضوي، يقتضي التحرر من فكرة الأساس ومقولة المبدأ الأول، وجعل الفلسفة تتساءل عن ذاتها، وعن أسس الأشياء وأصولها. إن تأسيس الفلسفة على أساس النموذج الإشكالي التساؤلي، يقتضي تحرير الفلسفة من الوضعية والميتافيزيقا. فبعد انهيار الإيديولوجيا وفقدان الفلسفة لأساسها الذي هو الذاتية، لم يبق للفلسفة سوى وظيفتها النقدية ونزعتها الريبية والتساؤلية. لكن الفلسفة ليست مجرد نقد وتساؤل، بل هي بالأحرى تساؤل جذري، إذ هي تتساءل حول كل شيء بما في ذلك التساؤل ذاته. وانعكاف الفكر على ذاته يعتبر أحد المبادئ الأساسية في الفلسفة، وربّما هي الخاصية المميّزة للفلسفة عن غيرها من أصناف التفكير. فما يميّزها ويمثّل فرادتها وأصالتها، هو أنها النمط الفكري الوحيد الذي يتخذ من ذاته موضوعا للتساؤل والتفكير. لهذا يتحدّد السؤال الفلسفي باعتباره ذلك السؤال الذي يقصد جذر الأشياء، ومن خلال هذه الجذرية تسعى الفلسفة إلى التحرر من كل الافتراضات القبلية.

2- دلالة وخصائص السؤال الفلسفي:
يشعر المرء الذي يوجّه إليه السؤال الفلسفي بالدهشة والحيرة، وخاصة إذا كان ذلك المرء من المتعاطين للنشاط الفلسفي. لا شك أن مصدر الحيرة والدهشة ليس هو الجهل بالسؤال الفلسفي، أو الجهل بالمعرفة التي يتطلبها الجواب الفلسفي. إن من يطرح مثلا السؤال عن ماهي الفلسفة؟ لا شك أنه يريد أن يعرف، ولكن هذه المعرفة لا يمكن أن تكون واحدة، أوهي ذاتها في كل سؤال. لأن ماهية الفلسفة ذاتها، هي التي توجد موضع تساؤل. إن السؤال الفلسفي هو ذلك السؤال الذي يولّد الحيرة والدهشة لدى الشخص الذي يطرح عليه ذلك السؤال، لأنه سؤال يعرّض بداهات المعرفة، والرسوخ الذي تدّعيه، واليقين الذي تتأسس عليه إلى خلخلة عنيفة، تبدو بموجبه معرفة هشّة، ظنية، هي مجرّد ادعاء وزعم ليس إلا.
إن موضوع السؤال الفلسفي هو المعرفة. فحينما أسأل مثلا، أين هي المحطة؟ يكون موضوع سؤالي هو معرفة أين توجد المحطة. هكذا إذن يبدو أن السؤال يجب أن يطرح على من يعرف، أو على الأقل من يفترض فيه أنه يعرف، أي على الفيلسوف. وهنا تطرح الصعوبة الأولى: فالفلسفة هي بلا شك –من الناحية الاشتقاقية-رغبة في المعرفة والحكمة وحبا لهما. ولهذا فإن من يطرح السؤال الفلسفي يفترض فيه أنه يريد المعرفة. لكن مع ذلك سؤال أين المحطة؟ ليس سؤالا فلسفيا. لماذا؟ لأن الفلسفة تفترض وجود قصدية حاضرة في السؤال الفلسفي، وهذا الافتراض هو الذي يؤسّس السؤال الفلسفي، إذ بدون تلك القصدية لن يكون السؤال فلسفيا. ومعنى ذلك أن السؤال المتعلّق بالمحطة هو سؤال غير فلسفي لأنه لا يتضمن القصدية الحاضرة في كل سؤال فلسفي. تتمثّل هذه القصدية في كون أن السؤال الفلسفي يروم وضع موضع شك الجواب من حيث هو معرفة. وهذا الشك هو شك قبلي وليس بعدي. فالسؤال الفلسفي الذي له كموضوع المعرفة، يفترض بأن المعرفة مستحيلة، أو على الأقل أنها معرفة مزعومة، هي في حقيقتها ليست معرفة وإنما مجرّد ادعاء ووهم. السؤال الفلسفي إذن يطرح على من يدّعي امتلاك المعرفة والحقيقة، ويأتي السؤال الفلسفي لكي يضع موضع شك وتساؤل هذا الادّعاء. وهذا ما يبرهن عليه الحوار السقراطي، فهو يسائل من يزعمون امتلاك المعرفة، لكي يبيّن انعدام المعرفة لديهم. وهكذا فاللحظة التي يطرح فيها السؤال الفلسفي هي ذاتها اللحظة التي توضع فيها المعرفة موضع شك وتساؤل جذري. لهذا وجدنا قيمة السؤال الفلسفي لا تتحدد بنوع المعرفة التي يمكن أن يتيحها أو يقود إليها، وإنما بتجربة اللامعرفة التي يفترضها. وهذه التجربة هي التي قلنا عنها أنها مصدر الدهشة والحيرة، وهي توجد في أساس ظهور الفلسفة. الإنسان الذي يطرح عليه السؤال الفلسفي، هو إذن ذلك الذي يعتقد بأنه حصّل معرفة كافية بالأشياء وبالوجود. لكن السؤال الفلسفي يأتي لكي يحطّم هذا الاعتقاد، ويكسّر بداهة المعرفة، ويزيح القناع عن الجهل واللامعرفة المتستّرتين وراء وهم المعرفة، ولكي يدفع الإنسان إلى الاعتراف بذلك على غرار سقراط الذي اعترف حين قال:"أعرف بأنني لا أعرف شيئا".
بصفة عامة، يمكن القول بأن السؤال الفلسفي يقوم على وضع موضع شك ما نسمّيه ب "وجود الخير". إن الشك المحايث للسؤال الفلسفي- كما قلنا- ينصب على الجواب، باعتباره يمكن ألا يكون معرفة فعلية وحقيقية. ولكن هذا الشك يفترض أننا نمتلك فكرة عما ينبغي أن تكون عليه المعرفة، وعما ينبغي أن يكون عليه معيار العلم. وأنه انطلاقا من هذا المعيار أو المثال نريد فحص ما نعتبره معرفة مزعومة، أو شبه معرفة. يتعلق الأمر إذن بمعرفة هل المعرفة المزعومة تتلاءم مع ما ينبغي أن تكون عليه المعرفة. وما ينبغي أن تكون عليه كل معرفة لكي تكون معرفة حقة هو أن تكون متطابقة مع وجود الخير. السؤال الفلسفي إذن يتحدّد بمطلب متناقض: فمن جهة تحدوه الرغبة في المعرفة، وهي رغبة تراجيدية. ومن جهة أخرى يروم وبشكل قبلي، وضع موضع شك إمكانية المعرفة(الخير). وكأن هناك معرفة يجب أن نعرف بأنها مستحيلة، وأننا لا نستطيع بلوغها. وهذه هي الخاصية الثالثة للسؤال الفلسفي بعد خاصيتي الدهشة والقصدية. ولقد رأينا بأن هذا هو شعار سقراط: "أعرف بأنني لا أعرف شيئا". ولكن اكتشاف العدم الذي يختفي وراء المعرفة، ليس سوى مرحلة في صيرورة المعرفة، ونحو اكتشاف ما نعرف، دون أن نعرف بأننا نعرفه. وكأن المعرفة هي تذكر المنسي وصراع ضده.
الخاصية الثالثة للسؤال الفلسفي، هو أنه ليس مجرد سؤال وإنما هو تساؤل. فالسؤال المعزول والمنفرد، لا يكفي وحده لكي يشكّل سؤالا فلسفيا، إذ يجب على السؤال الفلسفي أن يكرر، لا بمعنى تكرار نفس السؤال، لأن هذا يفترض أن الجواب لم يكن موفّقا، بل بمعنى تكرار سؤال آخر ينتمي إلى نفس التساؤل الفلسفي.
ما هو معيار هذه المعرفة التي يجب أن يتطابق معها الجواب الفلسفي؟ إنه المعيار البرهاني للمعرفة. فكل جواب هو قضية تعلن شيئا ما بصدد موضوع معيّن، وتعطي تحديدا لذلك الموضوع. وضع الجواب موضع شك يعني الشك في كون أن المحمول مطابق للموضوع، وبالتالي فهو شك في التركيب النهائي، أي في النتيجة بما هي وحدة المحمول والموضوع. ولإقامة هذه الوحدة يجب استنباط قضية من قضايا أخرى، أي النتائج من المقدّمات. لهذا وجدنا السؤال الفلسفي يتكرر حتى الوصول إلى الأوّليات أو إلى المبادئ الأولى. وضرورة الصعود بالمعرفة إلى أصولها الأولى هو ما يستلزم تكرار السؤال الفلسفي. هذه هي أهم خصائص السؤال الفلسفي[5]. لكن ما هي خصائص الجواب الفلسفي؟ أو ما هو الطابع العام للسؤال الفلسفي؟
يجب على هذا الطابع العام أن يصدر عما سبق قوله عن التساؤل الفلسفي. أوّلا يجب على الجواب الفلسفي أن يقدّم ذاته كمعرفة ما دام موضوع السؤال الفلسفي هو المعرفة. بعد ذلك يجب أن يكون مرتبطا بالشك الذي يكون في الآن نفسه قبليا وشاملا على الدوام لكل ما سيقال، أي لهذه المعرفة التي سيحملها الجواب بالضبط. وأخيرا يجب كما قلنا أن يتمفصل بشكل دقيق وبرهاني، ما دام السؤال الفلسفي غير منفرد ومنعزل، وما دام التساؤل الفلسفي يقتضي استعادته باستمرار حتى يتم التوصل إلى مبدإ أول. إن الطابع العام للجواب الفلسفي، إذن، هو أن يظهر في شكل ما يسمى عادة بالخطاب. ويجب التأكيد على استحالة وجود الخطاب الواحد، بل الخطاب هو بالضرورة خطاب متنوّع، ويسكنه التعدّد، ويخترقه الاختلاف. إن الخطاب يحمل دائما إجابة ما، ولكنه في ماهيته يضمر إجابات أخرى أو يقتضيها أو ينطوي عليها. لهذا لا وجود لخطاب فلسفي واحد، بل توجد خطابات فلسفية عديدة.
وبصفة عامة فإن السؤال لا يعتبر سؤالا فلسفيا إلا إذا كان موضوعه إشكاليا. والموضوع لا يتسم بالطابع الإشكالي إلا حينما تكون المعرفة المتعلّقة به مستحيلة، أو على الأقل ليست معرفة حاسمة. أي حينما لا يؤدي الجواب عليه إلى إنهاء إشكاليته، وإزالة الحيرة والقلق الناجمين عنه. يكون هناك إشكال حينما يتعرض معنى الشيء إلى زعزعة وخلخلة، فيفقد تحديداته المألوفة بما في ذلك تلك التي كانت تعتبر بديهية. وهذا يعني أن الإشكال ليس هو الصعوبة التي تواجه معرفتنا بالأشياء. لأن الصعوبة تتعلّق فحسب بالوسائل والأدوات للوصول إلى المعرفة. بينما الإشكال يتعلق بماهية المعرفة وبالغاية منها. إنه يجلي ويظهر فشلنا في إضفاء شمولية على المعنى، وفي توسيعه وتعميمه ليشمل الوجود في كلّيته. ومن ثمة فهو، أي الإشكال، يضع موضع تساؤل العالم والوجود في العالم. فليس المعنى غير الوحدة التي تغدقها الذات على التنوّع المحسوس للموجودات. من هنا نفهم بوضوح لماذا لا تظهر الفلسفة إلا أثناء وضعها موضع شك بداهة معنى الأشياء في العالم، وأنها هي قبل كل شيء سؤال الوجود بما هو وجود واحد. إنها محاولة لتفسير الكثرة بإرجاعها إلى الوحدة. وليس التساؤل الفلسفي سوى محاولة لتصعيد هذا التمزق والتيه الناجم عن غياب المعنى، وفوضى الكثرة والتناثر الذي يطبع العالم، والطابع الكاووسي للوجود بصفة عامة. إنه احتفاء تراجيدي بغياب المعنى ومحاولة استعادة واستذكار آثاره Une anamnèse des traces .
ج- قيمة السؤال الفلسفي وأبعاده:
إن الصيغة التساؤلية للفلسفة ليست سوى تعبير عن عملية "التعالي"La transcendance التي ينطوي عليها كل بحث أو تفكير فلسفي.
وفي الحقيقة، فإن كل من يزعم أنه قد استطاع أن يرى بوضوح كل شيء، إنما يقلع عن البحث والتفلسف. كما أن من لا يسلّم وجود أسرارية تكتنف الموجودات والكائنات، إنما يلغي كل تفكير وتساؤل. ولعل هذا ما قصد إليه كارل ياسبرز بقوله: "إن التفلسف في صميمه ما هو إلا اعتراف بالتواضع العميق الذي تفرضه علينا حدود المعرفة العلمية الممكنة، وبالتالي فإنه تفتح كامل للذهن أمام آفاق ذلك "المجهول" الذي يمتد فيما وراء كل معرفة موضوعية".
وإذا كانت كل فلسفة تقوم بالضرورة ومن حيث المبدأ على الاعتراف على الأقل ضمنيا بقدرة العقل على المعرفة، إلا أن الفيلسوف الأصيل قلّما ينسب إلى الوجود شفافية مطلقة تجعل منه كتابا مفتوحا أمام العقل على غرار ما ذهب إلى ذلك بيكون. لأنه لو كان في وسع الفكر أن ينفذ إلى أعماق الوجود بسهولة ويسر، لما كانت هناك فلسفة، ولتحقق التكافؤ المطلق بين الذات والموضوع، والفكر والواقع. لكن الفلسفة لا تكاد تنفصل عن ذلك الدوار العقلي، أو القلق الفكري، أو الحيرة الذهنية التي تعتبر شرطا ضروريا لكل تفكير فلسفي. فالفيلسوف هو أشبه ما يكون برجل شبه مريض يبحث عن "وضع" لكي يرتاح إليه ولو مؤقتا. والمرء إنما يصبح فيلسوفا حينما يشعر بأن وضعه بالقياس إلى الواقع هو ما لا سبيل لتقبّله. بل إننا حتى لو رجعنا إلى صميم ذواتنا، لوجدنا أن وجودنا الإنساني نفسه ليس من الشفافية بحيث يدرك العقل نفسه على غرار رؤية الإنسان لصورته في المرآة. بل إن الفلسفة ما كان لها أن تظهر إلا حينما أدرك الإنسان أن كينونته هي في صميمها عبارة عن سر يجب أن يعمل على استجلاء كنهها.
هكذا فالفلسفة هي استفهام وتساؤل، لا مجرّد إثبات أو نفي. وإذا كان بعض الفلاسفة قد وقعوا تحت سحر المذهبية وراحوا يبنون أنساقا معرفية مغلقة، وكأنما هي استطاعت الوصول إلى الحقيقة المطلقة واحتكارها. إلا أن الفلسفة الأصيلة، "فلسفة الصباح" كما يسمّيها نيتشه، هي تلك التي تثور على هذه النزعة المذهبية المتطرّفة، لكي تجعل من ذاتها تفكيرا حرّا متفتّحا على الحياة والوجود. إن فيلسوف المذهب كما يقول كيركجارد: "هو أشبه ما يكون برجل ابتنى لنفسه قصرا شامخا، ولكنه ظل يسكن كوخا حقيرا إلى جواره(…)وما كان فكر الإنسان سوى المسكن الذي يعيش فيه ويستظل بظله". وتاريخ الفلسفة مليء بالمواقف المنتقدة والرافضة للأنساق المغلقة، والمذاهب الشامخة، والتصورات الجاهزة، والمفاهيم المتحجّرة التي قال عنها نيتشه بأنها "مقبرة للحدوس الحسية"[6] Le concept et le sépulcre des intuitions. هذا بالرغم من أن الذهن الإنساني كثيرا ما ينساق وراء إغراء المذهبية أو النسقية دون أن يسائل ذاته هل تصلح حقا لسكنى الإنسان.
لهذا لا نتعجّب إذا رأينا الفلسفة تثير من المشكلات ما لا موضع لإثارته، و"كأنما يحلو لها أن تشكّك الناس في كل شيء، وأن تثير الشبهات حول كل موضوع". وفي الحقيقة يجب أن لا ننسى أنه إذا كان الرجل العادي يرى كل شيء طبيعيا ومألوفا، فإن الفيلسوف لا بد أن يظل حائرا مندهشا متعجّبا أمام كل شيء. فلقد قال أرسطو" إنما الدهشة هي الأم التي أنجبت لنا الفلسفة". فالفيلسوف بالتعريف هو ذلك المرء الذي يقف ذاهلا أمام سر الوجود، وكأنما هو طفل صغير يشاهد العالم للمرّة الأولى، فلا يكاد يكفّ عن إثارة السؤال تلو السؤال. ولا يكاد يفتح فمه إلا لكي ينطق بكلمة "لماذا؟".
إلا أن المجتمع يأبى إلا أن يتطلّب من الفيلسوف أجوبة محدّدة، وآراء حاسمة، وحلولا نهائية، ولكن الفيلسوف نفسه حينما يلتقي بشيئين مختلفين، فإنه – كما قال أفلاطون- "كثيرا ما يحذو حذو الطفل حينما يختار هذا وذاك معا". وليس أيسر وأهون بطبيعة الحال، من أن نتّهم الفلسفة بأنها تعقيد لما هو واضح لا إيضاح لما هو معقد. ولكننا عندئد ننسى أن الوضوح لا يكون على حساب العمق، وأن التعقيد ليس في ذهن الفيلسوف، بل يوجد في صميم الوجود نفسه. ولو كان الوجود مرآة شفافة، أو حقيقة بيّنة متجانسة، لما استحال على الفيلسوف أو غيره أن يصيغه في قالب محدّد. ولكن الوجود- لحسن الحظ - حقيقة غامضة متناقضة، والحقيقة وحدها –كما يقول نيتشه- قاتلة ومميتة، لهذا يتعذر صياغتها في قوالب جامدة متحجّرة، أو صيغ منطقية متسلسلة. و"ليس أمعن في الخطأ من مطالبة الفيلسوف بأن يقدّم إلينا عن الكينونة مثل هذه الصورة الساذجة المبسّطة، وأن يصيغها على صورة معادلات رياضية سهلة". في حين أن الفلسفة لا تبدأ حقا إلا حينما يلتقي الإنسان باللامعقول، ويشعر بالتناقض، وحينما يشعر بالعبث وأن الوجود يخرج عن المنطق.
إن الفيلسوف الحقيقي لا يرى في الفلسفة سوى مخاطرة روحية يقوم بها إنسان لا يستطيع أن يضع حدّا لعملية "حوار الذات مع الذات"، لأن هذا الحوار عنده فعل لا ينقطع أبدا، بل تصبح فيه الأجوبة نفسها أسئلة جديدة، والأسئلة تساؤلات، دون أن يكون ثمة توقف على الإطلاق. وحين يدرك الفيلسوف أن واجبه الأول هو الوفاء للوجود، والإخلاص للحياة، فإنه لا بد من أن يدع مجال البحث مفتوحا إلى الأبد. وتبعا لذلك، فإن الفيلسوف إنسان "سالك" وليس "واصلا". فهو يحترف التيه، لأنه يشعر باستمرار بأنه ما يزال عليه أن يحقق مهمة لم يستطع أحد من قبله أن ينهض بتحقيقها.




--------------------------------------------------------------------------------

[1]- راجع كتاب "البرهان" لأرسطو.
[2] - voir, Karl Jaspers, Introduction à la philosophie, « Qu’est- ce que la philosophie ? », 10/18, U.G.E.1965.
[3] - Voir, Michel Foucault, « Nietzsche, Freud, Marx », in « Nietzsche », Cahiers de Poyaumont, Seuil 1967.
[4] - Voir, Michel Mayer, « De la problématologie ». Et, « Questions de rhétorique ».
[5] - Voir, Alain Juranville, Lacan et la philosophie, 1° partie, 2° chapitre « Le champ philosophique comme lieu ou prend son sens la théorie de l’inconscient », Puf, Paris, 1984
[6] - Nietzsche(F), Ecce Homo,

كتبها mohamedandaloussi في 12/08/2007 - 08:57 مساءاً

————————————————————-

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى